الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

80

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وتهذيب الأخلاق ، وغرس العقيدة ، ورسوخ الإيمان ، لأن هذه أمور لا تنال بقراءة الكتب ، ومطالعة الكراريس ، إنما هي خصال عملية وجدانية ، تقتبس بالاقتداء ، وتنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي . ومن ناحية أخرى ، فكل الإنسان لا يخلو من أمراض قلبية ، وعلل خفية لا يدركها بنفسه ، كالرياء والنفاق والغرور والحسد ، والأنانية وحب الشهرة والظهور ، والعجب والكبر والبخل . . . بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خلقاً ، وأقومهم ديناً ، وهذا هو الجهل المركب ، والضلال المبين . قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 1 » فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية ، تكشف له عن حقيقة حاله ، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق ، أحسن منه حالًا ، وأقوم خلقاً ، وأقوى إيماناً ، يصاحبه ويلازمه ، فيريه عيوبه النفسية ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله . ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم : المؤمن مرآة المؤمن « 2 » . علينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال ، فمنها الصافية المستوية ومنها الجرباء التي تشوه جمال الوجه ، ومنها التي تكبر أو تصغر . وهكذا الأصحاب ، فمنهم الذي لا يريك نفسك على حقيقتها ، فيمدحك ، حتى تظن في نفسك الكمال ، ويدخل عليك الغرور والعجب ، أو يذمك حتى تيأس وتقنط من إصلاح نفسك . أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته بصحبة مرشد كامل ، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى

--> ( 1 ) - الكهف : 103 . ( 2 ) - مجمع الزوائد ج : 7 ص : 264 ، انظر فهرس الأحاديث . .